حلمان بين التحدي والإصرار

 

265620_284703214968302_1956770684_o 

منذ اليوم الذي تعينت السيدة بشرى في تلك الخربة فوق ذاك الجبل الجنوبي، و الذي يطلق عليها اسم ‘مدرسة ابتدائية ‘، و الأوضاع تتحسن بالرغم من الوثيرة البطيئة جدا. فهي كالجندية التي تحمل سلاحا بسيطا وتقف ضد الأغلبية، تملك أحلاما عديدة من أجل تلك الخربة، و أهمها هو أن يُبنى سور و ترمم قاعات الدرس المهددة بالانهيار، و أن تغرس أشجار و ورود جميلة في الساحة، أن تكون هناك مراحيض و ملاعب رياضية مجهزة. ببساطة هي تحلم بمدرسة كما المدارس الجميلة الموجودة في المدينة.

أصرت المعلمة بشرى على المدير أن يخصص وقتا للتلاميذ لأجل ورشة مسرحية، فقد كانت عيناها البنيتان ترى في هؤلاء الأطفال الصغار مواهب عظيمة، يحتاجون فقط إلى فرصة واحدة تحدث الفرق البارز في حياتهم.

افتتحت ورشة المسرح بعد عناء طويل. كانت المكافحة بشرى تدرب الصغار وتزرع فيهم شجاعة التعبير عن أنفسهم و مشاعرهم، و التغلب على الخوف الذي يسكن أفئدتهم الصغيرة، والسفر بعيدا عن واقعهم الأصفر الجاف إلى أماكن أكثر جمالا بخيالهم الخصب.

في تلك الورشة تميزت فتاة تسمى علياء ذات 13 ربيعا، واليوم تعتلي المنصة أمام جمع من المسؤولين وبعض الآباء، تقف شامخة، وعيناها البنيتان الحزينتان تشعان أملا و إصرارا. شعرها الأسود الطويل المنسدل على كتفيها بهدوء يضفي على طلتها رونقا.

تمسك ‘الميكروفون’ وسط تصفيق الجمهور القليل :

مرحبا بكم يا سادة، إلى عالم سمعتم عنه من قبل ربما، أو لم تسمعوا أبدا، أو سمعتم و أغلقتم آذانكم وغضضتم أبصاركم عنه، لكن اليوم ستسمعون لحنا نزف منذ سنوات ولازال. سترون رقصا على الجراح التي لم تندمل بعد.

اسمي يا سادتي الكرام، علياء، ابلغ من العمر 13 سنة، ولدت هاهنا في الجنوب. ترعرعت بين حقوله الصفراء، شربت حليب بقراتنا الطازج المحلوب فجرا. لعبت مع أغنامنا الكبيرة والصغيرة، أحببت كلبي الأسود المنقط بالأبيض، شاركت في قطف الزيتون… فعلت كل هاته الأشياء و أشياء أخرى و أنا لازلت صغيرة.

لكني كنت أحلم كأي طفل في العالم، أن اذهب إلى ذلك المكان الذي يعتبر المنزل الثاني، إلى المدرسة. و بعد أن أصدر والدي موافقته أخيرا، وفي انتظار أن تنتهي تلك الأمور الروتينية الخاصة بالتسجيل، كنت استعد للمدرسة، اشترت لي والدتي كل الأدوات اللازمة، كنت كحمامة تحلق بحرية في السماء الزرقاء الواسعة، تلك السماء التي تسع الحرية، حريتي، خروجي من جهلي إلى النور، كيف لي أن ألا أكون أسعد إنسانة على وجه الأرض؟ اخبروني وأنا سأدخل المدرسة قريبا.

في اليوم الأول، تطلب مني كما في كل الأيام القادمة أن استيقظ باكرا على الساعة الخامسة صباحا، وأتحمل البرد القارس والحجر والعقارب في الصيف، و أن امشي قرابة الساعتين، نزولا من التل الصغير الذي اسكن فيه، مرورا بالوادي، ثم اصعد جبلا صغيرا، ثم امشي و أمشي و أمشي، إلى أن أصل إلى المدرسة ، (بصوت مرتفع) يا الهي لقد ارتكبت خطأ للتو، هل قلت مدرسة؟ مدرسة؟

اعذروني يا أعزائي فقد ضربت تخيلاتي عقلي و جعلتني احلم أكثر من اللازم، أكثر من المسموح لي به، لقد تجاوزت الخطوط الحمراء فتخيلت كثيرا، تخيلت أقساما بألوان مزخرفة ورسومات من خيالنا الخصب و… يا الهي ما أغباني؟

ألا ليت مصائبي توقفت عند هذا الحد، ففي أحد الأيام وأنا اعبر الوادي لفت انتباهي رجل في الخمسينات من عمره تقريبا، وهو يرمقني بعينين ماكرتين كانت نظراته مرعبة قاتلة، أسرعت خطاي فبدأ بملاحقتي، و طلب مني أن أتوقف، لكني لم افعل بل ركضت بكل ما أوتيت من قوة، و أنا أتسأل لماذا يحصل معي كل هذا؟ ما الذنب الذي اقترفته؟ هل لأني أريد أن أتعلم يجب أن أخاف هكذا، أن اركض هكذا ؟
كان أسرع مني، أمسكني من شعري وأسقطني وكتبي أرضا. تناثرت أقلامي هنا وهناك، و فقدت طفولتي الجميلة ( وهي تبكي)، كان ذئبا جائعا متعطشا لدم غزالة يافعة.

منذ ذاك اليوم المشؤوم، لم تطأ قدماي تلك المدرسة الخربة. كنت آمر بفترات عصيبة، لكن المعلمة بشرى كانت كالبلسم الدافئ على جراحي التي لا زالت تنزف بالرغم من كل شيء.

تحديت الجميع، وعدت إلى الخربة (المدرسة ) و أنا أحمل في فؤادي الصغير أحلاما كبيرة. و من هذا المنبر أقول لكم :

سأضع يدي بيدي المعلمة بشرى وبيد كل من يشاطرنا الحلم، سنبني مدرسة جميلة، مدرسة تليق بنا، وبطفولتنا البريئة، بمستقبلنا الذي سنخطط له، إننا نستحق أن ندرس، أن نتعلم في أمان و سلام. ألا تعتقدون ذلك يا سادة؟

بكى منهم من بكى، وتأثر منهم من تأثر، وشجع منهم من شجع، ثم اختفوا كما الأشباح. بقيت علياء فوق المنصة تتأمل بعينين حزينتين القسم الفارغ، أما المعلمة بشرى فقد ضربت يدا بيد وسط ضحكاتها الساخرة المستنكرة.

– سنحارب لوحدنا يا معلمتي…

– سنحارب لآخر رمق فينا، سيتحقق حلمنا يوما يا ابنتي

– ألا تسمعين صدى صوتك يا معلمتي؟

– إني أسمع صدى أحزانك ممزوجا بصوتي

– إني أريد أن أتعلم، ومن حقي أن أتعلم، و سأتعلم رغما عنهم

– (و هي تحتضنها) سأعلمك، وسنبني المدرسة سويا.

 

تمت

أميمة دلال

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s