عصر السرعة و تعليم الحلزون

كاريكاتور: طارق بوزيد

.
.
.
“سنوات مرت داخل القسم ، ونفس طريقة التعليم تتكرر .. الجمود سيد هذه العملية المهمة”
مما لا شك فيه ان عملية التعلم هي ركيزة أساسية في المجتمع ، كيف لا و هي من تنتج الأجيال ، نساء و رجال المستقبل .
و مما لا شك فيه أيضا ، أننا الآن نعيش في عصر يقال عنه عصر السرعة ، حيث بات كل شيء في متناول اليد و في دقائق معدودة.
لكن لحظة ، يبدو أن عصر السرعة هذا لم يدخل المؤسسات التربوية في المغرب، أو ربما دخل لكن بوجه خجول .
حمل مجموعة من الاستاذة على عاتقهم هم ”تكنلجة ” التعليم (كما يحلو لي أن اسميها ،و هي إدخال التكنولوجيا إلى التعليم ) ، و انطلقوا من أنفسهم ، حيث بدؤوا حضور دورات تدريبية تحارب هذا النوع من الأمية ، و تعلم أساسيات هذا العالم الكبير ، و لم يقف طموحهم و حلمهم بتعليم أفضل إلى هذا الحد ، بل طوروا من مهاراتهم و تعلموا برامج بيداغوجية أخرى ، و الهدف كما تقول استاذة العلوم الحياة و الأرض بإحدى ثانويات الرباط ” أحارب امية الحاسوب و اتعلم جديد التكنولوجيا المتخصصة في عالم التربية ، كي اجعل من مادتي ممتعة ” .
و تقول اخرى لنفس المادة بثانوية تمارة ” لم تكن لي اية علاقة بالحاسب الالي ولم اكن اعرف استعمال الفارة حتى ، لكن رحلتي إلى اليابان غيرت منحى تفكيري وبدأت فعليا افكر في تغيير طريقة تدريسي ، تعلمت أساسيات الحاسب و بعض البرامج المهمة ، ثم وظفاها في شرحي للدروس في القسم ، و لازلت أتعلم كل يوم الجديد ، لقد كان هدفي هو ان اوصل هذه المادة الجميلة الى التلميذ بأحسن الطرق و أمتعها ، وقد وجدت تفاعلا رائعا من قبل التلاميذ الذين احبوا المادة فعلا .. انا اشعر بالسعادة كلما فهم التلميذ الدرس ” .
كانت كلمات هذه الاستاذة كشحنة من الطاقة الايجابية لنظيراتها ، ودافعا قويا للتعلم و التطوير من طريقة التدريس في خضم ما يعيشه التلميذ المغربي من سرعة .
إنك الآن تجد اغلب التلاميذ يملكون حاسوبا ، و إن لم يكن هناك حاسوب في البيت فمقاهي الانترنت تفي بالغرض ، التلميذ الآن بات يستعمل الهواتف الذكية و الانترنت ، يقضي الساعات الطوال في العالم الافتراضي الذي يغيب فيه عامل الزمان و المكان و تغيب فيه الرقابة ، يتفاعل مع الصورة و الفيديو و اشخاص اخرين لا يعرفهم أو يعرفهم ، لكنه ينتشل انتشالا حينما يدخل قاعة الدرس الواقعية ، الجامدة ، القديمة الطراز بالطاولات الثنائية ، و السبورة السوداء و الطباشير ، و أستاذ فوق منصة عالية يلقي درسا ما و على التلميذ التركيز و تخيل ما يقوله الأستاذ إن أراد الفهم.
و بين هذين العالمين المتناقضين يعيش التلميذ المغربي ، بين الواقع و الافتراض .
لكن هناك جملة من الاساتذة الذين وضعوا خبرتهم الطويلة في التعليم و في تنقلاتهم من مؤسسة الى مؤسسة و من مدينة الى مدينة على المحك ، و أدلوا بعدم جدوى ‘تكنلجة’ التعليم ، إذ كيف لمؤسسة لا تملك الكهرباء و لا الماء و حتى المراحيض غير موجودة ان يطرح موضوع التكنولوجيا فيها للنقاش ، إن كان الأستاذ بعد عمر طويل من الكفاح يناضل من اجل بناء مرحاض داخل هذه المؤسسة التعليمية التربوية فمن العيب بما كان الحديث عن ادخال التكنولوجيا في اقسام هكذا مؤسسات .
يحكي استاذ بإعدادية في مدينة تمارة ، عن معاناته في إيجاد مورد كهربائي ، يستطيع ب هان يكمل حصته الى الساعة السادسة ليلا.
و من جهة أخرى ، حينما يقر أستاذ ما توظيف الموارد الرقمية في حصته ، يجد لا شيء ، فهناك ثانويات و إعداديات لم يصلها أي مورد رقمي ، و بالتالي يجد الأستاذ نفسه أمام خيارين ، إما أن يستسلم و يعود الى طريقته الأولى القديمة ، و إما أن يستعمل حاسوبه رفقة المسلاط ” الداطاشو” -إن توفر لديه – الشخصي .
اما من جهة ثالثة ، فهي حينما يقرر الاستاذ استعمال الموارد الرقمية الموجودة في المؤسسة منذ سنوات بدون حراك ، فيفاجئ باعتراض من المدير ، أو نقص في الأجهزة ، كما أن القاعة المسماة ” المتعددة الوسائط” تكون اغلب الوقت مغلقة ، ليجد الأستاذ انه قد مضى من الوقت الكثير على حساب الدرس و لم ينجح حتى في إيجاد مفتاح القاعة ، ليضطر للاستسلام و العودة الى الطريقة العادية القديمة .
أما العالم القروي ، فلديه مشاكله الخاصة ، بداية مع عدم توفر معارف قبلية للتلميذ ، فتتحول السنة الأولى من الابتدائي الى صفوف محو الأمية ، مرورا ببعد المؤسسات التربوية عن المكان الذي يقطن فيه التلميذ ، مما يجعله يقضي ساعات مشيا على رجليه نظرا لعدم توفر وسائل النقل ، و نهاية بالحالة المزرية للمؤسسة نفسها .
من الضحية ؟ و من المستفيد ؟ و متى سنرى تعليما ممزوجا بالتكنولوجيا في أقسامنا ؟
.

.

بقلم : أميمة دلال

حلمان بين التحدي والإصرار

 

265620_284703214968302_1956770684_o 

منذ اليوم الذي تعينت السيدة بشرى في تلك الخربة فوق ذاك الجبل الجنوبي، و الذي يطلق عليها اسم ‘مدرسة ابتدائية ‘، و الأوضاع تتحسن بالرغم من الوثيرة البطيئة جدا. فهي كالجندية التي تحمل سلاحا بسيطا وتقف ضد الأغلبية، تملك أحلاما عديدة من أجل تلك الخربة، و أهمها هو أن يُبنى سور و ترمم قاعات الدرس المهددة بالانهيار، و أن تغرس أشجار و ورود جميلة في الساحة، أن تكون هناك مراحيض و ملاعب رياضية مجهزة. ببساطة هي تحلم بمدرسة كما المدارس الجميلة الموجودة في المدينة.

أصرت المعلمة بشرى على المدير أن يخصص وقتا للتلاميذ لأجل ورشة مسرحية، فقد كانت عيناها البنيتان ترى في هؤلاء الأطفال الصغار مواهب عظيمة، يحتاجون فقط إلى فرصة واحدة تحدث الفرق البارز في حياتهم.

افتتحت ورشة المسرح بعد عناء طويل. كانت المكافحة بشرى تدرب الصغار وتزرع فيهم شجاعة التعبير عن أنفسهم و مشاعرهم، و التغلب على الخوف الذي يسكن أفئدتهم الصغيرة، والسفر بعيدا عن واقعهم الأصفر الجاف إلى أماكن أكثر جمالا بخيالهم الخصب.

في تلك الورشة تميزت فتاة تسمى علياء ذات 13 ربيعا، واليوم تعتلي المنصة أمام جمع من المسؤولين وبعض الآباء، تقف شامخة، وعيناها البنيتان الحزينتان تشعان أملا و إصرارا. شعرها الأسود الطويل المنسدل على كتفيها بهدوء يضفي على طلتها رونقا.

تمسك ‘الميكروفون’ وسط تصفيق الجمهور القليل :

مرحبا بكم يا سادة، إلى عالم سمعتم عنه من قبل ربما، أو لم تسمعوا أبدا، أو سمعتم و أغلقتم آذانكم وغضضتم أبصاركم عنه، لكن اليوم ستسمعون لحنا نزف منذ سنوات ولازال. سترون رقصا على الجراح التي لم تندمل بعد.

اسمي يا سادتي الكرام، علياء، ابلغ من العمر 13 سنة، ولدت هاهنا في الجنوب. ترعرعت بين حقوله الصفراء، شربت حليب بقراتنا الطازج المحلوب فجرا. لعبت مع أغنامنا الكبيرة والصغيرة، أحببت كلبي الأسود المنقط بالأبيض، شاركت في قطف الزيتون… فعلت كل هاته الأشياء و أشياء أخرى و أنا لازلت صغيرة.

لكني كنت أحلم كأي طفل في العالم، أن اذهب إلى ذلك المكان الذي يعتبر المنزل الثاني، إلى المدرسة. و بعد أن أصدر والدي موافقته أخيرا، وفي انتظار أن تنتهي تلك الأمور الروتينية الخاصة بالتسجيل، كنت استعد للمدرسة، اشترت لي والدتي كل الأدوات اللازمة، كنت كحمامة تحلق بحرية في السماء الزرقاء الواسعة، تلك السماء التي تسع الحرية، حريتي، خروجي من جهلي إلى النور، كيف لي أن ألا أكون أسعد إنسانة على وجه الأرض؟ اخبروني وأنا سأدخل المدرسة قريبا.

في اليوم الأول، تطلب مني كما في كل الأيام القادمة أن استيقظ باكرا على الساعة الخامسة صباحا، وأتحمل البرد القارس والحجر والعقارب في الصيف، و أن امشي قرابة الساعتين، نزولا من التل الصغير الذي اسكن فيه، مرورا بالوادي، ثم اصعد جبلا صغيرا، ثم امشي و أمشي و أمشي، إلى أن أصل إلى المدرسة ، (بصوت مرتفع) يا الهي لقد ارتكبت خطأ للتو، هل قلت مدرسة؟ مدرسة؟

اعذروني يا أعزائي فقد ضربت تخيلاتي عقلي و جعلتني احلم أكثر من اللازم، أكثر من المسموح لي به، لقد تجاوزت الخطوط الحمراء فتخيلت كثيرا، تخيلت أقساما بألوان مزخرفة ورسومات من خيالنا الخصب و… يا الهي ما أغباني؟

ألا ليت مصائبي توقفت عند هذا الحد، ففي أحد الأيام وأنا اعبر الوادي لفت انتباهي رجل في الخمسينات من عمره تقريبا، وهو يرمقني بعينين ماكرتين كانت نظراته مرعبة قاتلة، أسرعت خطاي فبدأ بملاحقتي، و طلب مني أن أتوقف، لكني لم افعل بل ركضت بكل ما أوتيت من قوة، و أنا أتسأل لماذا يحصل معي كل هذا؟ ما الذنب الذي اقترفته؟ هل لأني أريد أن أتعلم يجب أن أخاف هكذا، أن اركض هكذا ؟
كان أسرع مني، أمسكني من شعري وأسقطني وكتبي أرضا. تناثرت أقلامي هنا وهناك، و فقدت طفولتي الجميلة ( وهي تبكي)، كان ذئبا جائعا متعطشا لدم غزالة يافعة.

منذ ذاك اليوم المشؤوم، لم تطأ قدماي تلك المدرسة الخربة. كنت آمر بفترات عصيبة، لكن المعلمة بشرى كانت كالبلسم الدافئ على جراحي التي لا زالت تنزف بالرغم من كل شيء.

تحديت الجميع، وعدت إلى الخربة (المدرسة ) و أنا أحمل في فؤادي الصغير أحلاما كبيرة. و من هذا المنبر أقول لكم :

سأضع يدي بيدي المعلمة بشرى وبيد كل من يشاطرنا الحلم، سنبني مدرسة جميلة، مدرسة تليق بنا، وبطفولتنا البريئة، بمستقبلنا الذي سنخطط له، إننا نستحق أن ندرس، أن نتعلم في أمان و سلام. ألا تعتقدون ذلك يا سادة؟

بكى منهم من بكى، وتأثر منهم من تأثر، وشجع منهم من شجع، ثم اختفوا كما الأشباح. بقيت علياء فوق المنصة تتأمل بعينين حزينتين القسم الفارغ، أما المعلمة بشرى فقد ضربت يدا بيد وسط ضحكاتها الساخرة المستنكرة.

– سنحارب لوحدنا يا معلمتي…

– سنحارب لآخر رمق فينا، سيتحقق حلمنا يوما يا ابنتي

– ألا تسمعين صدى صوتك يا معلمتي؟

– إني أسمع صدى أحزانك ممزوجا بصوتي

– إني أريد أن أتعلم، ومن حقي أن أتعلم، و سأتعلم رغما عنهم

– (و هي تحتضنها) سأعلمك، وسنبني المدرسة سويا.

 

تمت

أميمة دلال

حدث في كلية علوم التربية 1

بلاجـــيا

 Image

 شهادة1

أذكر في أحد الحصص ربما في السنة الأولى أو السنة الثانية لا اذكر على وجه التحديد، حيث حدثتنا إحدى الأستاذات عن “البلاجيا” كتعقيب لأحد العروض التي قام بها احد الطلاب، وفتحت قوسا طويلا فيه، أخبرتنا عن المسائلة القانونية التي يتعرض لها من نقل معلومات/عمل غيره بدون ذكر المصدر أو نسبها لشخصه، واستشهدت فيما تقول على التقدم العلمي الحاصل في الولايات المتحدة الأمريكية ، كما هو حالها الدائم في كل رأي تعرضه و في كل مناقشة.و قصت علينا حكاية إحدى زميلاتها اللاتي درسن معها في الجامعة الأمريكية حيث سحبت منها الدكتوراة التي “أعدتها” بعد أن اكتشفت الإدراة أنها مسروقة من احد الباحثين. و قد نصت الأستاذة في خطابها ذالك ألا نقترب من البلاجيا و أن نعتمد على أسلوبنا وعمل أبحاث عديدة في الموضوع الذي نريد أن نكتب فيه، أما أضعف الإيمان فهو أن نذكر المصدر إن أردنا الاستدلال بأقوال احدهم.

كانت بالنسبة لي المرة الأولى التي أتعرف فيها على مفهوم أو مصطلح “البلاجيا”، و الانطباع الأول الذي راودني بعد شرح الأستاذة هو الخوف و توخي الحذر من البلاجيا . ولا اعلم لماذا كلما اسمع هذا المصطلح تباغت صورة السجن مخيلتي.

فيما بعد، نكتشف نحن الطلاب خدعة جميلة جدا، ما إن تبدأ الدروس و التي تكون دائما على شكل “سلايدات” يبدأ الأستاذ بقراءة ما تيسر له من قراءة و شرح بعض المفردات أو المعاني (ليس كل الأستاذة يقومون بالشرح بالمناسبة)، و نحن الطلبة نحاول موازنة الطاقة التي لدينا و التركيز الذي نملك، بين ما يقوله الأستاذ، وهنا تعطي أذناك له، أما عينيك و يديك فهما مع “السلايد” تكتب و تكتب و تكتب كآلة، يجب أن تنتهي قبل أن ينتهي الأستاذ من الشرح أو القراءة، فإن فعل و لم تنهي ما يجب أن تكتب، فعليك استعمال الاستعانة بصديق، هذا إن كان صديقك قد كتب شيئا ما.

هذه الإشكالية التي جعلت الطلبة أمام مشكل هو في الأساس لا يجب أن يكون مشكلة، إذ يكفي أن يرسل الأستاذ المادة الالكترونية لبريد القسم و ستحل المشكلة، لكن اغلب و لا أقول كل، اغلب الأساتذة يرفضون ذلك، و كل له سبب : كأن يقول لك إن المادة من انجازه و لا يريد إعطائها للطلبة، و هناك شق آخر الذي يجعلك تبحلق في وجهه قصدا لأنه يرفض إعطائك المادة الالكترونية وكفى (مزاجي يا أخي ).

تعلم جيدا كطالب انك مقدم على الامتحان النهائي و المعلومات التي ستمتحن فيها موجودة في “السلايدات” (هكذا يقولون)، لذلك “بالروح بالدم” يجب أن احصل على المعلومات، تفتح “الشيخ” قوقل ، تكتب اسم الدرس أو المادة و تأتيك الهدية على طبق من ذهب، المادة الالكترونية كلها أمامك وبين يديك و مجانا … أنت من الفرحة لا تفكر في شيء سوى أن المادة باتت في حوزتك و لست في حاجة إلى “سلايدات” الأستاذ، لست في حاجة إلى الأستاذ من أصله، لكن لحظة ..

و أنت تقرا التقديم أو “السلايد” الأول تجد أن الدرس تم إعداده في جامعة ”……….” ( أغلبها تكون جامعات كندية لأنها رائدة في علوم التربية)، و الأستاذ ” اسم اجنبي ” ، تقرأ من جديد في محاولة لاكتشاف الخطأ، تحضر ما كتبته في كناشك لتجد أن كل المعلومات نسخة طبق الأصل، بالنقطة و الفاصلة و حتى الألوان و الشكل و الحركات، تسأل من صاحب من وكيف و أين و متى؟.

و أمام هذا الانفصام الذي يعيشه واقعنا الجامعي،قد يخطر ببالك أنك يوما ما درست في أحد المواد أنه يجب ذكر المصدر و أن سرقة المعلومات جرم يعاقب عليه.

همسة: لست ضد أن يحضر احد الأساتذة درس معد من جامعة أجنبية و يدرسنا إياه، فقط من باب الاحترام، احترام الدكتوراة التي لديك، واحترام طلبتك، واحترام الباحث الأصلي أذكر المصدر

بقلم: أميمة دلال